13‏/9‏/2009

حكيم الحب و حواء


في لحظاتٍ من جرأة قلب مراهق ، وجدتني أعتلي غصن شجرة توت عملاقة تُطلُّ على نافذة "جميلةِ حيّنــا
لم أفعل إلا بعد أن تأكدت بأنّ ليس ثمّة متطفّل - آخر - يختلس النظر إلى شرفة الفتاة التي لم يكن رجلٌ في حيّنا إلا ويتمنى الظفر بنظرة منها ، ولو أن تكون نظرة امتعاض منها لتطفّل عينان لا تملكان إلا إرتشاف معالم حسنها إذا ما أسعدتهما صدفة بإطلالتها

لا أدري كم مضى من الليل على إستضافة صديقتي "شجرة التوت" لــ "الفتى وليد" . كان الوسن الذي كان يسانده ترانيم النسيم و تراقص أوراق التوت من حولي , قد بدأ تأثيره على جفني . أنهى صراعي مع الوسن شعاع ضوء أطلّ من شرفة الجميلة فخِلت الضوء كأنما يخرج على كُرهٍ منه ، كأنما هو لا يتقبّل حتى فكرة فراقها لو كان له الخيار

يا إلهي .. يالخيالات المراهقين ، أكنت أحسب سواد عينيها هو أحد تلك النجوم التي كنت أقرأ بأنها لفرط قوة جاذبيتها لايقوى حتى الضوء على الإفلات منها ؟

وأطلّت هي بل أشرقت من خلف ستائر النافذة وإني أتمنّى الآن لو كان يعتلي تلك الشجرة شوقي أو الرافعي - أديب فذ أو شاعر عبقري - لربما قدِر على الإحاطة ببعض حسنها فيصفه بما يليق به . وإن كنت في شك حتى من أن يستطيع ذا قلب ذلك . بل ربما لو أن شوقي أو الرافعي (الصغيران) كانا معي تلك الليلة أمام شرفتها فلن يكون هناك شوقي أو الرافعي

وأنا ربما كنت الآن أديبا (لامدّعي أدب) لولا أن أعجزت هي في نفسي كل عبقرية يمكن أن أستنجزها من الزمان وهزَمت كل خيالاتي بوجودها الماثلّ أمامي حياة وحقيقة أراها ، وهي التي كادت ألاّ تكون بشرا مثلنا بل مولودا نجميّا أهدته مجرّة مجاورة للأرض لكيلا تتباهى على أجرام الكون بحوّاء

أخرجني من حالة إنبهاري تحديقها في أغصان الشجرة كأنما تتبين الظل الذي يسكنها ثم فجأة ابتسمت وقالت بصوت جمع في قلبي "رهبة جماله" و رهبة ان يكون موجّها لمراهق مثلي من قـِبلِ التي لا يصل إلى جمالها حتى ماتضعه خيالات مراهق لجميلات الدنيا إذا ما أتت بهن خيالاته إماءً وجواري . لم تلتقيني من قبل أنا المختلس النظرات إليها لذا سمرتني كلماتها في مكاني

قالت بسعادة : " أنت هنا ؟! ، لا أصدق أنني فوتّ لحظة معك وقد كنت أنتظر مرور الاسابيع الثلاثة بفارغ الصبر لأراك وأتحدث إليك ، إنتظرني ، سأفرغ لك بعد دقائق ، إنتظرني ياعزيزي ولا تتحرّك من مكانك أرجوك ، عندي الكثير لأبوح لك به ، عائدة أنا

يا إلهي .. كيف احتمل عقلي الصغير ذلك ؟! أحقّا أن مذيبةُ كل فؤادٍ سبُرَت عيناه حُسنها ، تنتظرُ وليدا (الصغير) ؟!! و ماذا ؟ لأسااااابيع ؟

ولولا الصدق الذي شفعت به نظراتها لصوتها لخطر في البال أنها قالت ذلك لتبقيني في مكاني وأنال عقابا يليق بتطفلي
لا أعلم كيف بقيتُ حيّا إلى الآن بعد أن تعرض قلبي الصغير لذلك "الهاجس" في لحظات الانتظار تلك، و لَهو هاجس كفيل بأن لا أعيش بعده حيرة  في دنياي ماحييت
عـــادت ، بل اشـــرقت
اتكأت بذراعيها اللذين كأنما صُبّا في قالب من لُجين وهبهما خلاصة إنسجامه و صفاءه على سياج الشرفة 

تكلّمت و خلتُ أن صوتها لا يُسمع بالأذن ، بل بالقلب إذ يرتشفه طربا قبل حتى أن تتلقفه الأُذنان

آآآه رحمك الله يابشار ، ألّو سمعت صوتها لكان شطر بيتك - الذي ذهب مثلا - هكذا : "و القلب يعشق قبل الأذن أحيانا


نظرت اليّ بدلال و هيام وقالت
صاحبي

يا مستودع أسراري

و موئل نجواي

أشكو إليك وحدتي التي إختارها لي قلبي
أتدري، في غيابك أرقُب أحوال سماء الليل ، حتى بتُّ صاحبة لكثير من نجيماتها
أعلم بأن هذا مما يثير غيرتك لكن كُـنتَ غائبا ، فلاتنسى ذلك

وفي غيابك رافقتني خيالاتي التي كانت الشيء الوحيد الذي بات يذكّرني بأنني ذات حياة ، بعد أن مات في البشر ماكنت أجده من حياة المشاعر

خيالات تُهديني بها السماء من مجرّاتها وشاحا أتدثر به لتتهامس رفيقاتي النجوم حكْيا عن جماله عليّ وجمالي به

ما أجمل ثرثرة النجوم ياصاحبي، أهرب إليها من ثرثرة نساء حيّنا و سخريتهن بالسمينات منهن وبمن لا تجيد اللباس أو الزينة وعن الرجال الذين لايجيدون مراقصة قلوبهنّ كإجادتهم مراقصة النادلات في مقاهي الليل
مابالك تتوارى خلف وريقات التوت ، هيا لا تغب فقد إشتقت إبتسامتك

كدت أن أغادر مكاني بفعل سحر كلماتها لأقترب من تلك الشرفة لولا كلمات أردَفـَت بها و سبقت حركتي بثانية إذ قالت

 أتذكر كيف قلت لي بأنك لاتطيق أن تراني إلا مبتسمة ، وأنا لاصبر لي أيضا عن إبتسامتك


علمت عندها أنها تتحدّث إلى أحدٍ آخر ، ورفعت رأسي فإذا صاحبها الذي تهمس إليه  فوق الغصن الذي يعتليني مباشرة ، نظرتُ إليه فعلمت أنّه كان يحدّق إلي وهو يستمع إليها

همس لي : مكانك لاتبرح ، سيكون لنا حديث بعد أن نكون لوحدنا، فصمتا صمتـــا يافتى
يتــــبع

ليست هناك تعليقات: